الشيخ عبد الغني النابلسي
105
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
قدركم ( مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) وهي آدم عليه السلام ( وَخَلَقَ مِنْها ) ، أي من تلك النفس الواحدة ( زَوْجَها ) وهي حواء ( وَبَثَّ ) ، أي أخرج ( مِنْهُما ) ، أي من تلك النفس الواحدة وزوجها ( رِجالًا وَنِساءً ) بطريق تولد البعض من البعض . ( فقوله : اتَّقُوا رَبَّكُمُ ) [ النساء : 1 ] معناه بحسب ما ذكر من حكمة نشأة جسد آدم عليه السلام ونشأة روحه المعبر عنهما باليدين وبالصورتين ( اجعلوا ما ظهر منكم ) لكم وهو الجسد والنفس وهو اليد الشمال وهو صورة العالم التي خلق ظاهركم عليها ( وقاية لربكم ) ، فانسبوا إليكم جميع ما ظهر منكم من خواطر الضلال وأقوال الخطباء وأعمال الشر والسوء ، وإن كان ذلك كله مخلوقا للّه تعالى ولا تأثير لكم فيه . ( واجعلوا ما بطن منكم ) عنكم وهو العقل والروح في عالم الخلق ( وهو ربكم ) في عالم الأمر وهو يد اليمين وهو صورة الحق تعالى التي خلق باطنكم عليها كما مر بيانه ( وقاية لكم ) فانسبوا إليه تعالى جميع ما ظهر فيكم من الحقائق والمعارف والعلوم اللدنية ، فإنها لا تصدر إلا عن الحق تعالى لا عنكم ، وكذلك جميع أعمال الخير والهدى وإن كان ذلك بكسبكم وواسطة توجه قدرتكم وإرادتكم من غير تأثير منكم ( فإن الأمر ) الظاهر منكم عملا واعتقادا له ( ذم ) شرعا ( وحمد ) كذلك . ( فكونوا وقايته ) تعالى ( في ) نسبة ( الذم ) من الأقوال والأعمال والاعتقادات إليكم لا إلى ربكم ( واجعلوه ) سبحانه وتعالى ( وقايتكم في ) نسبة ( الحمد ) من نسبة جميع ذلك إليه تعالى لا إليكم ( تكونوا ) حينئذ ( أدباء ) مع اللّه تعالى ( عالمين ) به تعالى وبما يليق بجلاله وعظمته كما علم اللّه تعالى نبيه عليه السلام ذلك بقوله : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [ النساء : 79 ] وقال له قبل ذلك قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النساء : 78 ] . وقال إبراهيم عليه السلام : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ 78 وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ 79 وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ 80 وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ 81 وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ( 82 ) [ الشعراء : 78 - 82 ] ، فنسب المرض إلى نفسه ، ولم يقل : وإذا أمرضني ، وكذلك الخطيئة نسبها إلى نفسه ، ومثله الخضر عليه السلام لما كان خرق السفينة شرا في الظاهر نسب إلى نفسه حيث قال : فأردت أن عيبها ، وبناء الجدار لما كان خير نسبه إلى اللّه تعالى وبرأ نفسه حيث قال : فأراد ربك ، وأما الغلام فلما كان في الحال غير كافر وفي المآل كافرا لم يكن قتله خيرا محضا ولا شرّا فقال : فخشينا ، وأبهم الأمر بينه وبين ربه . ( ثم إنه تعالى أطلعه ) ، أي أطلع آدم عليه السلام ( على ما أودع فيه ) من الجمعية الكبرى التي هي مجموع اليدين والصورتين ( وجعل ) اللّه تعالى ( ذلك ) ، أي